السيد كمال الحيدري

396

اللباب في تفسير الكتاب

تنفكّ عنه ، ولكنها قد تكون من آثاره ، ببيان أنّ الغضب هو كيفية للنفس تعرض من حصول ما لا يلائمها ، فتترتّب عليه كراهية الفعل المغضوب منه وكراهية فاعله . ويلازمه الإعراض عن المغضوب عليه ومعاملته بالعنف وبقطع الإحسان وبالأذى ، وقد يفضى ذلك إلى طلب الانتقام منه ، فيختلف الحدّ الذي يثور عنده الغضب في النفس باختلاف مراتب احتمال النفوس للمنافرات ، واختلاف العادات واعتبار أسبابه . ثم إنّ الغضب قد يكون حقّاً وقد يكون باطلًا ، أمّا الأوّل فهو غضب ممدوح وحقّ ؛ قال تعالى : ( وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِى ) ( الأعراف : 150 ) وقال : ( وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ) ( الأنبياء : 87 ) وقال : ( آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ ) الشورى : 37 36 ) . وعلى أىّ حال ، فالغضب الممدوح : ما يكون على حقّ وفى حقّ ومستمرّاً ما دام حقّاً ، فيدور مدار الحقّ . وأمّا الثاني : فهو خروج للنفس عن الاعتدال وحركتها نحو الحدّة والشدّة والاشتغال . ويقابله الحلم ، وهو التعقّل والسكون . ولعلّ هذا هو المشار إليه في كلام لأبى جعفر الباقر عليه السلام قال : « إنّ هذا الغضب جمرة من الشيطان ، توقد في قلب ابن آدم ، وإنّ أحدكم إذا غضب احمرّت عيناه وانتفخت أوداجه ودخل الشيطان فيه . . . » « 1 » . أمّا الغضب من الله تعالى ، فهو أيضاً شدّة وقوّة بمراتبها في قبال مظالم العباد ومساوئ الأخلاق والمعاصي ؛ قال تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ

--> ( 1 ) الأصول من الكافي : كتاب الإيمان والكفر ، باب الغضب ، الحديث 12 ، ج 2 ، ص 304 .